محمد كرد علي
103
خطط الشام
وإرادة أن يتركوا لأولادهم وأحفادهم موردا يعيشون به : إذا كان من الواقفين من هم على هذه الصفة فإن أكثرهم على خلاف ذلك لا محالة ، وقد رأينا في صكوك أحباسهم أنهم وقفوها على الجوامع والمدارس والكتاتيب والخانات والحمامات وعلى إنشاء القلاع وإعاشة القائمين عليها من المرابطين وعلى أبناء السبيل . إذا عرفت هذا وشاهدت ما أبقوه من هذه الآثار الجسيمة النافعة التي ساعدوا بها على نشر المعارف والعلم وعمروا بها المملكة ، فليس من الإنصاف أن تقدم الأصل على الفرع وتذهب إلى سوء الظن فيهم . قال : وإذا جئنا نبحث عن المبالغ التي أنفقت على هذه الأوقاف وعما إذا اكتسبت من وجوه محللة ، فأنا معك بأن كل هذه الخيرات لم تتم بالمال الطيب ، أما وقد جمعت تلك الأموال بصور مختلفة فإن إنفاقها بما ينفع العامة من الأعمال الصالحة أزين في العاقبة وأدعى إلى المحمدة ، من صرفها في الإسراف والسفاهة ، وحابسها يذكر بالرحمة ، ويستفيض اسمه المسجل في عداد المتصدقين . هذا ما ارتآه الوزير التركي وفي كلامه نظر عند العقلاء إذ أي طاعة تثبت في جنب تلك المعاصي . ولعمري متى ساغ للمرء أن يأكل أموال الناس بالباطل ، ثم يتصدق بها أو ببعضها ويحمد الخالق والخلق أثره . وقد أحسن هذا الوزير بقوله : إن صرفها في هذه السبيل أولى من غيره على كل حال . قال حجة الإسلام الغزالي : أرباب الأموال والمقتّرون منهم فرق ، ففرقة يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما يظهر للناس كافة ويكتبون أساميهم بالآجر عليها ليتخلد ذكرهم ، ويبقى بعد الموت أثرهم ، وهم يظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك ، وقد افتروا فيه من وجهين : أحدهما أنهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم والنهب والجهات المحظورة ، فهم قد تعرضوا لسخط اللّه في كسبها ، وتعرضوا لسخطه في إنفاقها ، وكان الواجب عليهم الامتناع عن كسبها ، فإذا قد عصوا اللّه بكسبها فالواجب عليهم التوبة والرجوع إلى اللّه تعالى ، وردها إلى ملّاكها إما بأعيانها أو برد بدلها عند العجز ، فإن عجزوا عن الملاك كان الواجب ردّها إلى الورثة ، فإن لم يبق للمظلوم وارث فالواجب صرفها إلى أهم المصالح .